اخبار
كتابها
مقالات
نامه ها
يادداشتها
نگارخانه
زندگينامه
کنگره
تسليتها
دفتر نشر آثار
مصاحبه ها

 




صفحه بعد

السّجُود على الأرض

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العلاّمة علي الأحمَدي

 

(3)

 

 

 

 

 

(4)

 

 

 

 

 

 

المقدمة

والحمد للّه‏ رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

ممّا لا ريب فيه أنّ الإسلام قام على عدّة ركائز ثابتة، ومن بينها الصلاة التي اعتبرت عمود الدين، والتي إن قُبلت قبل ما سواها وإن رُدّت ردَّ ما سواها. وعلى هذا الأساس كان التمسّك بها من قبل المسلمين والاهتمام بها أشدّ اهتمام.

ولكن مع وفاة الرسول الأكرم وافتراق المسلمين فِرقا شتّى ظهرت الخلافات فيما بينها حول طريقة أداء الصلاة، كلّ يحاول إظهار صحّة صلاته واقتدائه برسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلم يبق ركن من أركانها إلاّ وظهر حوله الخلاف.

(5)

كثيرة هي الكتب التي تناولت هذه الخلافات، وكثيرة هي الكتب التي حاولت معالجتها بطريقة أو بأُخرى، ولكنّ معظمها كانت سطحية التناول، فلم تخلُ من الانحياز والميل لفرقة دون اُخرى، لكنّ القليل منها استطاع أن يعالج الموضوع بتجرّد وموضوعيّة، ويضع الحقائق أمام القارئ بعد أن يستقصيها من متون الكتب وبطون التاريخ، ومن بين هذه الكتب كان كتاب «السجود على الأرض» لآية اللّه‏ الشيخ علي الأحمدي.

ومن الملاحظ: أن العنوان هو قنطرة العبور لمعرفة الموضوع الذي يتناوله الكتاب ألا وهو السجود الذي يعتبر ركنا من أركان الصلاة، والذي ظهرت فيه الخلافات بين الفرق الإسلامية.

والملفت في هذا الكتاب الأسلوب الذي اعتمده الكاتب للوصول إلى الحقيقة عبر استعراض جميع الآراء مع اختلافاتها واستحضار جميع الأحاديث التي تناقلتها جميع الكتب عن رسول اللّه‏ وعن الصحابة وعن التابعين حول موضوع السجود وكيفيته، ومن ثمّ عرضها وتحليلها ومعرفة ناقليها ومدى صحّتها حتّى استطاع الوصول إلى الحقيقة التي لابدّ منها ولا شكّ فيها.

ونحن إذ نضع أمام القارئ الكريم هذا الكتاب نرجوا من المولى عزّوجل أن يوفّقنا إلى تأدية الرسالة عبر الأسس التي آلينا أن نطبّقها ونضع أنفسنا في خدمتها؛ ألا وهي نشر رسالة الحقّ

(6)
المتمثلة بالدين الإسلامي، وإرشاد الأمة إلى الطريق القويم المتمثّل بخط آل البيت عليهم‏السلام عبر إعطاء الأولويات لجميع المؤلّفات الّتي نرى فيها ما يسهّل على هذه الأمة ويضع القارئ الكريم على الصراط المستقيم والحمد للّه‏ ربّ العالمين.

الناشر

 

(7)

 

 

تقديم بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

 

الحمد للّه‏ الذي منَّ على بني الانسان؛ إذ بعث فيهم رسولاً هاديا، وأرسل إليهم نبيّا منذرا فأكمل به نعمته، وأتمّ به حجّته، وهداهم به إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم؛ «ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة»، والصلاة على سيّد رسله وأشرف أنبيائه محمّد وآله الطيبين الطاهرين الذين هم عدل الكتاب وفلك نجاة لأولي الألباب وخزان علمه وكهوف كتبه.

وبعد:

هذه وجيزة في مسألة من المسائل الخلافية التي كثر الابتلاء بها، وكثر اللغط والحوار حولها، واشتدّت فيها العصبية حتى انجرّ الأمر فيها إلى البهت والفرية، كتبتها رجاء الإصلاح وإتمام الحجة، واللّه‏ المستعان وهو الموفّق والمعين.

علي الأحمدي

(8)

 

 

 

 

السجود بداية ونهاية:

 

ـ ما يسجد عليه في الصلاة؟

ـ التطورات الحاصلة في السجدة

ـ الأدوار الأربعة للسجود

ـ أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء

                فتاوى الصحابة

                فتاوى التابعين وتابعيهم

                أقوال الفقهاء وكلماتهم

 

(9)

 

 

 

 

 

ما يسجد عليه في الصلاة؟

لا خلاف بين المسلمين في وجوب السجدة في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين، وإنّما الخلاف في فروعها وأحكامها من كيفيتها وأركانها وشرائطها وموانعها وأذكارها.

وقد تفاقم الأمر واشتدّ النزاع بين المسلمين فيما يصحّ السجود عليه، أي: فيما يضع المصلّي عليه جبهته:

فقال أئمّة المذاهب الأربعة ـ كما هو المشهور المنقول عنهم في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ـ بجواز السجود على كلّ شيء من تراب وحجر ورمل وحصى وصوف وقطن وغير ذلك، بل على ظهر إنسان آخر عند الزحام.

قال في بداية المجتهد: «ومن هذا الباب ـ أي إبراز اليد في

(10)
السجود ـ اختلافهم في السجود على طاقات العمامة، وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع، وقول بالجواز، وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة، وقول بالفرق بين أن يمسّ شيء من جبهته الأرض أو لا يمسّ منها شيء، وهذا الاختلاف كلّه موجود في المذاهب وعند فقهاء الأمصار.

وقالت الإمامية الإثنا عشرية ـ تبعا لأئمتهم أئمة أهل البيت عليهم‏السلام ـ : إنه لا يجوز السجود إلاّ على الأرض من تراب ورمل وحصى وحجر، أو ما أنبتته الأرض غير مأكول ولا ملبوس، ويحتجّون لذلك بالأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم‏السلام عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وبما رواه أئمة الحديث عن الصحابة رضي اللّه‏ عنهم عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وبما جرى عليه عمله وعملهم».

التطوّرات الحاصلة في السجدة:

إنّنا إذا دقّقنا النظر في هذه المسألة، نرى أنّها قد مرّت بعدّة أدوار، وتطوّرت تطوّرا ملحوظا على مدى العصور ابتداء من عصر الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وأنّها ممّا لعبت فيها عوامل التغيّر والتبدّل كما تلعب بكلّ موجود ممكن، ولم تكن تلك العوامل مقصورة على الخطأ في الاجتهاد أو سوء الفهم للحديث والسنّة، بل لعلّ البواعث السياسية والتعصّبات القومية والأهواء غير المُرضية قد

(11)
أثّرت فيها أثرها أيضا.

ولا نبالغ إذا قلنا إنّنا في حين نرى السجدة ذات أحوال وشرائط خاصّة في بدء تشريعها، نعود فنرى فيها التغيّر التدريجي شيئا فشيئا حتّى تنقلب إلى حالة مباينة لما كانت عليه أوّلاً.

ويتّضح ذلك بالتدبّر التامّ في المأثور من أدلّتها وتأريخها وعمل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والصحابة والتابعين وفتاوى الفقهاء والمجتهدين.

الأدوار الأربعة للسجود:

وقد قسّمنا التطوّرات الحاصلة إلى أدوار أربعة ورسمناها بالترتيب الآتي:

الدور الأول: السجود على الأرض من تراب ورمل وحصى وحجر ومدر لا غير.

الدور الثاني: السجود على الأرض وأجزائها ونباتها، وعلى الخمرة المصنوعة منها، وكذا الحصير والبسط المصنوعة من السعف ونحوه، وكان للخمرة في دورها حظ وافر وانتشار حتّى ملأت المساجد والبيوت كما سيأتي «ونحن نرى التقيّد بالسجود على الخمرة إلى زمن بعيد، وكان كلّ رجل من أهل مكة في العصر

(12)
الحديث يؤدّي الصلاة في المسجد الجامع على سجادة هي في العادة طنفسة صغيرة لا تتسع إلاّ للسجود فحسب، فإذا فرغ من الصلاة طواها وحملها على كتفه فكان خادم يحفظها لهم»(1).وما زال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأهل بيته يسجدون على الخمرة حتّى قال الإمام موسى بن جعفر عليهماالسلام في حديث: «لا يستغني شيعتنا عن أربع: خمرة يصلي عليها و...»(2) وفي هذا الدور أيضا نرى أنّ جمعا كبيرا من الصحابة والتابعين كانوا يتجنّبون السجود على غير التراب حتّى أنّهم يضعون التراب على الخمرة فيسجدون عليه احتياطا في صلاتهم ذهولاً عن عمل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو خطأً في الاجتهاد(3).وذكر أنّ الباعث لصنع الخمرة هو أنّ الرسول العظيم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والمسلمين كانوا يسجدون على التراب والحجر والمدر والحصى، ولكنّ الحرّ والبرد قد آذاهم وأحرقت الرمضاء وجوههم وأيديهم، وفي أيام المطر لطخ الماء والطين وجوههم وأيديهم (الأمر الذي دفعهم إلى فرش المساجد بالحصى) فشكى المسلمون إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما يلاقونه من ألم الرمضاء وبرودة الهواء (بحيث

(1) دائرة المعارف الإسلامية 11 : 276.

(2) سيأتي ذكر المصادر.

(3) سوف توافيك أقوالهم ونظرياتهم.

(13)
كانوا يعالجون إمّا بتقليب الحصى حتّى يخرج منها ما كان فيها من حرارة الشمس، وإمّا بتبريد الحصى في أيديهم حتّى يصلح لوضع الجبهة عليه) فلم يشكهم، ثمّ بعد مدّة رخّص لهم في الإبراد بالصلاة، أي: تأخيرها إلى وقت برودة الجوّ، ثمّ صنعوا الخمرة بأمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو من عند أنفسهم فأقرّهم عليه، واستمر عمله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعملهم عليه.

الدور الثالث: السجود على كلّ شيء من الأرض وغيرها كالثياب بأنواعها من الحرير والقطن والصوف والكتّان والبسط من السجاجيد المنسوجة من الحرير والصوف والقطن.

الدور الرابع: عُدّ السجود على الثياب شعار التسنّن، وعدّ التقيّد بالسجود على التراب بدعة ومن شعار الشيعة ـ شيعة أهل البيت عليهم‏السلام ـ بل عدّ ذلك من الشرك والزندقة (معاذ اللّه‏).

* * *

 

(14)

 

 

 

 

أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء

فتاوى الصحابة:

1 ـ كان عبداللّه‏ بن مسعود الصحابيّ الكبير لا يرى إلاّ السجود على التراب(1).

2 ـ كان أبو بكر بن أبي قحافة لا يسجد إلاّ على الأرض(2).3 ـ كان عبداللّه‏ بن عمر يمنع عن السجود على كور العمامة

(1) سيأتي لفظ الحديث ومصادره.

عبداللّه‏ بن مسعود هو أبو عبدالرحمن الهذلي حليف بني زهرة، أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد ولازم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وحدّث عنه كثيرا، وروى عنه كثير من الصحابة والتابعين (راجع الإصابة والاستيعاب واُسد الغابة وغيرها من المعاجم).

(2) سيأتي نص الحديث ومصادره.

أبو بكر هو عبداللّه‏ بن عثمان القرشي التيمي الخليفة الأول عند السنّة توفّي سنة13 (راجع المصادر المتقدمة).

(15)
ويسجد على الخمرة، وفي رواية لا يضع يده ولا جبهته إلاّ على الأرض مباشرة(1).4 ـ كان عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي يرى وجوب السجود على الأرض مباشرة(2).5 ـ جابر بن عبداللّه‏ الأنصاري لا يرى السجود إلاّ على الحصباء(3).6 ـ عثمان بن حنيف الأنصاري كان يسجد على الخمرة(4).

(1) سيوافيك النص بلفظه ومصادره.

هو عبداللّه‏ بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، قد أكثر الحديث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتعزز به كسائر المكثرين للحديث، وتخلف عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه‏السلام وبايع الحجاج. قيل إنه قتله الحجاج، أمر رجلاً معه حربة مسمومة فوضع الحربة على ظهر قدمه فمرض منها ومات وذلك سنة74 (راجع المصادر المذكورة).

(2) سيأتي الحديث ومصادره.

عبادة بن الصامت هو أبو الوليد الخزرجي الأنصاري، شهد العقبتين وشهد المشاهد كلها واستعمله النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على بعض الصدقات وتوفّي سنة 34 أو 45.

(3) ستوافيك مصادر النقل.

هو جابر بن عبداللّه‏ الأنصاري شهد العقبة الثانية وهو صبي وشهد المشاهد بعد اُحد، وقيل: شهد عشر غزوات وشهد صفين مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعمي في آخر عمره، وهو آخر من مات بالمدينة ممن شهد العقبة، وتوفي سنة 74 ـ 77.

(16)
7 ـ وكان خباب بن الأرت متقيّدا بالسجود على الحصى(1).8 ـ كان أمير المؤمنين عليّ عليه‏السلام ينهى عن السجود على كور العمامة ويأمر بالسجود على الأرض مباشرة، وتبعه الأئمة من عترته عليهم‏السلام (2).9 ـ عبداللّه‏ بن عبّاس كان يفتي بوجوب لصوق الجبهة والأنف بالأرض(3)، ونسبت إليه الرواية في جواز السجود على الثياب كما يأتي.

(1) هو أبو عمرو الأوسي شهد اُحدا والمشاهد بعدها، واستعمله عمر على مساحة سواد العراق، واستعمله أمير المؤمنين علي عليه‏السلام على البصرة إلى أن قدم عليها وظفر واستعمل عليها عبداللّه‏ بن عباس، وسكن عثمان الكوفة وبقي إلى أيام معاوية وله مواقف محمودة. (وسنتلوا عليك مصدر الحديث).

(2) يأتي مصدر الحديث.

هو خباب بن الأرت التيمي أو الخزاعي حليف بني زهرة، من السابقين الأولين وممن عذب في اللّه‏، وهو سادس ستة في الاسلام نزل بالكوفة وبها مات وأوصى أن يدفن بالظهر.

(3) تأتي أخبار أئمة أهل البيت عليهم‏السلام في المسألة فيما بعد.

(4) ستأتي الأحاديث والمصادر.

هو عبداللّه‏ بن العباس بن عبدالمطلّب الحبر البحر الصحابي العظيم المشهور ذو المواقف المشهورة. روى أحاديث كثيرة، وله أنظار في تفسير القرآن الكريم والأحاديث النبوية. لازم أمير المؤمنين عليا عليه‏السلام ولم يفارقه أبدا واستعمله على البصرة بعد فتحها، وشهد مشاهده ثم استعمله الحسن عليه‏السلام ثم رجع إلى المدينة وسكن مكة، ونفاه ابن الزبير إلى الطائف فمات فيها سنة 68.

(17)

10 ـ ظاهر كلام الإمام مالك وغيره أنّ عمر بن الخطاب كان يفتي بعدم جواز السجود على غير الأرض اختيارا(1).

كما أنّ الظاهر من حديثي خباب وابن مسعود الآتيين أنّ الصحابة جلّهم كانوا متقيّدين بالسجود على الحصى.

11 ـ وعن أبي هريرة وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن مسعود جواز السجود على الثياب والبسط والمسح، وستأتي الإشارة إلى أدلّتهم والكلام حولها(2).

12 ـ عن مسيب بن رافع أنّ عمر بن الخطاب قال: «من آذاه الحرّ يوم الجمعة فليبسط ثوبه فليسجد عليه، ومن زحمه الناس يوم الجمعة حتّى لا يستطيع أن يسجد على الأرض فليسجد على

(1) سيأتي عن المدونة الكبرى 1 : 74 و75 وستأتي فتواه.

(2) أبو هريرة الدوسي أسلم سنة خيبر ومات سنة57 أو 58، وأكثر الحديث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حتّى اتّهمه الخليفة الثاني، وعظم الخطب في جعله الأحاديث في زمن عثمان ومعاوية ومؤازرته في جنايات بني اُمية، وإذا أردت الوقوف على سيرته فعليك بكتاب «أبو هريرة» و «أبو هريرة في التيار» و «شيخ المضيرة» وغيرها من كتب التأريخ والمعاجم.

أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي البخاري خادم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، كان عمره حين قدم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المدينة عشر سنين وخدمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومات سنة 90 أو 91 أو 92 أو 93، أكثر الحديث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولا يخفى حاله على من له أدنى إلمام بالتاريخ والحديث والسيرة.

والمغيرة بن شعبة الثقفي الفاسق المعلن بالزنا الركن العظيم في حكومة معاوية وتوطيد سلطنته.

(18)
ظهر رجل»(1).فتاوي التابعين وتابعيهم:

1 ـ كان مسروق بن الأجدع من أصحاب ابن مسعود لا يرخّص في السجود على غير الأرض حتّى في السفينة(2).

2 ـ كان إبراهيم النخعي الفقيه الكوفي التابعي يقوم على البردي ويسجد على الأرض، قال الراوي: قلنا: ما البردي؟ قال: الحصير(3).

(1) المصنف لعبد الرزاق 1 : 398.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 6 : 53، والمصنف لعبدالرزاق 2 : 583، وسيرتنا 2 : 136 عن المصنّف لابن أبي شيبة باب من كان يحمل شيئا يسجد عليه، فأخرجه بسندين.

هو عبدالرحمن بن مالك، وفد إلى عمر بن الخطاب وروى عن جمع من الصحابة ولم يشهد مشاهد علي عليه‏السلام ، ومات سنة63، ذكره ابن سعد في الطبقات 6 : 50 فيمن لم يرو عن علي عليه‏السلام ، والاصابة 3 : 492.

(3) المصنف لعبدالرزاق 1 : 397، وسيرتنا : 128 عن الطبراني في الكبير، وتحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي 1 : 273، ومجمع الزوائد 2 : 57.

هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود الفقيه الكوفي التابعي، أحد الأئمة المشاهير عند العامة، ذكره ابن سعد في الطبقات 6 : 188 فيمن روى عن عبداللّه‏ بن عمر، وعبداللّه‏ بن عباس، وعبداللّه‏ بن عمرو، وجابر بن عبداللّه‏، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة ومات سنة96 في خلافة الوليد بن عبدالملك بالكوفة وهو ابن تسع وأربعين أو نيف وخمسين (راجع أيضا ميزان الاعتدال 1).

(19)
وفي لفظ «إنه كان يصلي على الحصير ويسجد على الأرض».

3 ـ أفتى عطاء تلميذ الحبر ابن عباس بعدم جواز السجود على الصفا ولزوم السجود على البطحاء. قال ابن جريج: «قلت لعطاء: اُصلّي على الصفا وأنا أجد إن شئت بطحاءَ قريبا منّي؟ قال: لا، قلت: أفتجزي عنّي من البطحاء أرض ليس فيها بطحاء مدراة فيها تراب وأنا أجد إن شئت بطحاء قريبا منّي؟ قال: إن كان التراب فحسبك»(1).

وعن ابن جريج قال: «قلت لعطاء أرأيت صلاة الإنسان على الخمرة والوطاء؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن تحت وجهه ويديه، وإن كان تحت ركبتيه من أجل أنه يسجد على حر وجهه»(2).وعن ابن جريج قال: «قال إنسان لعطاء: أرأيت إن صلّيت في مكان جدد أفحص عن وجهي التراب؟ قال: نعم»(3).

(1) المصنف لعبد الرزاق 1 : 391.

(2) المصدر: 392.

(3) المصدر.

عطاء بن أبي رباح سيد التابعين علما وعملاً وإتقانا في زمانه بمكة، روى عن عائشة وأبي هريرة والكبار، وعاش تسعين سنة أو أزيد، وكان حجة إماما (ميزان الاعتدال 3 : 70) مات سنة 115 أو 114 (راجع الطبقات 5 : 344) وكان بنو اُمية يعظمونه جدا حتى أمروا المنادي ينادي لا يفتي الناس إلاّ عطاء، وإن لم يكن فعبداللّه‏ بن نجيح. وكان عطاء أعور وأفطس وأعرج وأشلّ وأسود كما في الطبقات والسفينة 2 : 205، وقاموس الرجال 6 : 306.

(20)
عن ابن جريج قال: «قلت لعطاء: اُصلّي في بيتي في مسجد مشيد أو بمرمر ليس فيه تراب ولا بطحاء؟ قال: ما أحب ذلك، البطحاء أحب إليّ، قلت: أرأيت لو كان فيه حيث أضع وجهي قط قبضة بطحاء أيكفيني؟ قال: نعم إذا كان قدر وجهه أو أنفه وجبينه، قلت: وإن لم يكن تحت يديه بطحاء؟ قال: نعم، [قلت[ فأحبّ إليك أن أجعل السجود كلّها بطحاء؟ قال: نعم»(1).4 ـ عن ابن سيرين قال: «أصابتني شجّة في وجهي، فعصبت عليها فسألت عبيدة السلماني أسجد عليها فقال: إنزع العصاب»(2).

(1) المصنف 1 : 392.

ابن جريج هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج أبو خالد المكي، أحد الأعلام الثقات يدلس، وهو في نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة، كان يرى الرخصة في ذلك وكان فقيه أهل مكة في زمانه.

(انظر ميزان الاعتدال 2 وقاموس الرجال 6) وجريج مصغر بالحجم أولاً وآخرا.

(2) المصنف 1 : 401.

هو سمع من أكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي عليه‏السلام وكان أعور، وكان يروي عنه، وكان يعد من أصحاب ابن مسعود (اسمه عبيدة بفتح العين المهملة ابن قيس السلماني من مراد راجع الطبقات لابن سعد 6 : 62 وقاموس الرجال 6) ومات سنة72.

(21)
وليس الأمر بنزع العصاب إلاّ من أجل منعه عن مباشرة الجبهة الأرض، فعبيدة أحد القرّاء ومن كبار التابعين يفتي بوجوب السجود على الأرض مباشرة.

5 ـ كان صالح بن خيوان السبائي يحدّث وجوب السجود على الأرض عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وظاهر نقله الإفتاء بمضمون الحديث(1).

قال البيهقي بعد نقل الحديث: «إنّه ـ يعني صالح بن خيوان ـ ثقة من التابعين قال: إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن جبهته».

6 ـ قال الحارث الغنوي: «سجد مرّة بن شراحيل الهمداني حتّى أكل التراب جبهته، فلمّا مات رآه رجل من أهله في منامه كأنّ موضع سجوده كهيئة الكوكب الدريّ يلمع»(2).



(1) السنن الكبرى للبيهقي 2 : 105، والمدونة الكبرى 1 : 73 و76، وسيرتنا : 128 عن السنن الكبرى وعن نصب الراية للزيلعي 1 : 386.

صالح بن خيوان ـ بالخاء المعجمة كما عن التهذيب وابن أبي حاتم، وبالحاء المهملة كما عن التهذيب وعن عبدالحق الأزدي ـ تابعي ثقة كما في ميزان الاعتدال 2 : 293، والاصابة 2 : 201، واُسد الغابة 3 : 9.

(2) صفة الصفوة 3 : 34.

مرّة بن شراحيل، هو من المتخلفين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‏السلام قال: إن عليا سبقني بخير أعماله ببدر وذواتها، وأنا أكره أن أشركه فيما هان فيه (قاموس الرجال 8).

(22)
7 ـ عمر بن عبدالعزيز الخليفة الاُموي، كان لا يكتفي بالخمرة بل يضع عليها التراب ويسجد عليه(1).8 ـ روي عن عروة بن الزبير أنّه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض، وكذا روي عن غير عروة(2).9 ـ عن ابن عيينة قال: «سمعت رزين مولى ابن عباس يقول: كتب إليّ عليّ بن عبداللّه‏ بن عبّاس رضى‏الله‏عنه أن «ابعث إليّ بلوح من أحجار المروة أسجد عليه»(3).10 ـ الحسن‏البصريقال: «لابأس‏بالسجودعلىكور العمامة».

(1) فتح الباري 1 : 410 وشرح الأحوذي 1 : 272.

هو عمر بن عبدالعزيز بن مروان الخليفة الاُموي، ولد سنة69 وولي سنة99 ومات سنة101، وتزهد وأظهر العدل ورد فدك إلى ولد فاطمة عليهاالسلام ومنع لعن علي أمير المؤمنين عليه‏السلام على المنابر (راجع الطبقات 5 : 242 وقاموس الرجال 7).

(2) فتح الباري 1 : 410، وشرح الأحوذي 1 : 272.

عروة بن الزبير بن العوام، مات سنة94، روى عن جمع من الصحابة وكان شديد العداوة لبني هاشم ولعلي عليه‏السلام خاصة. راجع قاموس الرجال 6، والسفينة 2 : 183، والطبقات الكبرى لابن سعد 5 : 132 وما بعدها.

(3) أخبار مكة للأزرقي 2 : 151.

هو علي بن عبداللّه‏ بن عباس بن عبدالمطلب، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب سنة أربعين وتوفي سنة118 أو 117 (راجع الطبقات 5 : 229).

(23)

وعنه قال: «أدركنا القوم وهم يسجدون على عمائمهم ويسجد أحدهم ويداه في قميصه»(1).

وقد حمل البخاري هذا الكلام على الاضطرار.

11 ـ عن أبي الضحى: أنّ شريحا كان يسجد على برنسه(2).

12 ـ كان عبدالرحمن بن يزيد يسجد على عمامته(3).13 ـ عن الزبير عن إبراهيم (النخعي) أنّه «سأله أيسجد على كور العمامة؟ فقال: أسجد على جبيني أحبّ إليّ»(4).14 ـ عن ابن جريج قال: «قلت لنافع مولى ابن عمر: أكان ابن عمر يكره أن يصلّي في المكان الجدد ويتتبّع البطحاء والتراب؟

(1) المصنف لعبدالرزاق 1 : 398، والبخاري 1 : 107.

الحسن هو ابن يسار (أبي الحسن) مولى الأنصار سيد التابعين في زمانه بالبصرة، عنونه الكشّي في الزهاد الثمانية قائلاً: والحسن كان يلقى كل أهل فرق بما يهوون ويتصنع للرياسة، وكان رئيس القدرية واستاذ ابن أبي العوجاء، مات سنة110 (راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 7 : 114 وما بعدها، وميزان الاعتدال 1 : 527، وقاموس الرجال 3 : 134).

(2) المصنف لعبدالرزاق 1 : 399 و400.

الظاهر أنّه شريح بن الحارث القاضي المعروف، وقد ترجمه ابن سعد في الطبقات الكبرى 6 : 90، وقاموس الرجال 5 : 67 فراجعهما وسائر المعاجم والتواريخ.

(3) المصنف 1 : 399 و400 ستأتي الاشارة إلى ترجمته.

(4) المصنف 1 : 401.

(24)
قال: لم يكن يبالي»(1).15 ـ عن معمّر قال: «سألت الزهري عن السجود على الطنفسة فقال: لا بأس بذاك، كان رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يصلّي على الخمرة»(2).16 ـ عن الحسن قال: «لا بأس أن يصلي على الطنفسة والخمرة»(3).17 ـ عن ابن طاووس قال: «رأيت أبي بسط له بساط فصلّى عليه، فظننت أنّ ذلك لقذر المكان»(4).18 ـ عن ليث قال: «رأيت طاووسا في مرضه الّذي مات فيه يصلّي على فراشه قائما ويسجد عليه»(5).

(1) المصدر : 392.

(2) المصدر : 394.

الزهري هو أبو بكر محمد بن مسلم الفقيه المدني التابعي المعروف الحافظ الحجة، قيل: إنه حفظ علم الفقهاء السبعة ولقي عشرة من الصحابة، ولد سنة52 ومات سنة124 (راجع قاموس الرجال 8 : 386، والكنى للمحدث القمي 2 : 274، وميزان الاعتدال 4 : 40).

(3) المصنف 1 : 396.

(4) المصدر.

هو طاووس بن كيان اليماني، كان من التابعين الكبار والزهاد أو العباد روى عن ابن عباس وبريدة سنة106 وصلى عليه هشام بن عبدالملك (راجع الطبقات الكبرى 5 : 391، وقاموس الرجال 5 : 156).

(25)
19 ـ عن محمد بن راشد قال: «رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت: لم تسجد عليها؟ فقال: أتقي البرد على إنساني»(1).أقوال الفقهاء وكلماتهم:

قال ابن بطال: «لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها ـ أي: على الخمرة ـ إلاّ ما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليها، وروي عن عروة


(1) الطبقات الكبرى 5 : 395.

(2) المصنف 1 : 400.

المراد بانساني: عيني، يدل عليه ما أخرجه «ش» من طريق عبيداللّه‏ عن محمد بن راشد «إني أخاف على بصري من برد الحصى» وإنسان العين سوادها، هذا ما في هامش المصنف، وفي أقرب الموارد: الانسان: ... المثال يرى في سواد العين.

مكحول الدمشقي مفتي أهل دمشق وعالمهم، روى عن واثلة وأبي اُمامة، وعدّ ابن قتيبة مكحولين: أحدهما من ذكرنا والثاني الأزدي يروي عن ابن عمر.

والذي يظهر أن مكحولاً رجلان: أحدهما صحابي ذكره ابن حجر في الاصابة 3 : 456 وهو مولى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وابن الأثير في اُسد الغابة 4 : 412 وثانيهما محكول الدمشقي المبغض لأمير المؤمنين عليه‏السلام وهو المراد في كلمات الفقهاء والمحدثين إذا أطلقوا وهو في عداد الفقهاء كطاووس ومجاهد وعطاء. (راجع ميزان الاعتدال 4 : 177، وقاموس الرجال 9 : 118، وسفينة البحار 2 : 472).

(26)
ابن الزبير أنّه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض، وكذا روي عن غير عروة»(1).قال الشافعي في كتاب الاُمّ: «ولو سجد على جبهته ودونها ثوب أو غيره لم يجز السجود إلاّ أن يكون جريحا، فيكون ذلك عذرا، ولو سجد عليها وعليها ثوب متخرّق فماسّ شيء من جبهته الأرض أجزأه ذلك؛ لأنّه ساجد وشيء من جبهته على الأرض، وأحبّ أن يباشر راحتيه الأرض في البرد والحرّ، فإن لم يفعل وسترهما من حرّ أو برد وسجد عليهما فلا إعادة عليه ولا سجود سهو، ثم أطال الكلام في فروع المسألة فقال: وإنّه أمر بكشف الوجه ولم يؤمر بكشف ركبتيه ولا قدم»(2).قال ابن حجر في فتح الباري 1 : 414 في شرح حديث «كنّا إذا صلّينا مع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود»: وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل؛ لأنّه علق بعدم الاستطاعة.

وقال الشوكاني في النيل في تفسير هذا الحديث: «الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتّقاء حرّ الأرض، وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل ليتعلّق بسط الثوب


(1) شرح الأحوذي لجامع الترمذي 1 : 272، وفتح الباري 1 : 410.

(2) كتاب الاُم 1 : 99.

(27)
بعدم الاستطاعة»(1).وقال في النيل في شرح حديث ثابت بن صامت: «إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قام يصلّي في مسجد بني عبدالأشهل وعليه كساء ملتفّ به يضع يده عليه يقيه برد الحصى»: الحديث يدلّ على جواز الاتّقاء بطرف الثوب الّذي على المصلّي ولكن للعذر، إمّا عذر المطر كما في الحديث، أو الحرّ والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة(2).قال الترمذي بعد نقله عن أبي سعيد: «إنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله صلّى على حصير»: وفي الباب عن أنس والمغيرة بن شعبة قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حسن والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، إلاّ أنّ قوما اختاروا الصلاة على الأرض استحبابا(3).قال البيهقي في السنن الكبرى بعد نقل حديث جابر بن عبداللّه‏ الأنصاري: «كنت اُصلّي مع رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله صلاة الظهر، فآخذ قبضة من الحصى في كفّي حتّى تبرد وأضعها بجبهتي إذا سجدت من شدّة الحرّ. قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في كفّ ووضعها للسجود وباللّه‏ التوفيق»(4).

(1) سيرتنا : 131.

(2) المصدر : 132.

(3) سنن الترمذي 2 : 153.

(28)
أقول: من المعلوم أن لو كان السجود على الثوب جائزا مطلقا متّصلاً أو غير متّصل كالمنديل والسّجادة المصنوعة من القطن والصوف والحرير وغيرها وقتئذٍ لكان أسهل بمراتب من السجود على التراب والحصى والحجر المتّقدة بحرّ الشمس أو الباردة في المطر والشتاء.

قال مالك: «يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم، وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها ولا يسجد عليها ولا يضع كفّيه عليها، وكان لا يرى بأسا بالحصباء وما أشبهه ممّا تنبت الأرض أن يسجد عليها»(1).

وقال مالك: «لا يسجد على الثوب إلاّ من حرّ أو برد كتّانا أو قطنا. قال مالك: وبلغني أنّ عمر بن الخطاب وعبداللّه‏ بن عمر كانا يسجدان على الثوب في الحرّ والبرد. وقال مالك: لا بأس أن يقوم الرجل في الصلاة على أحلاس الدواب ... ويسجد على الأرض ويقوم على الثياب والبسط وما أشبه ذلك والمصلّيات وغير ذلك ويسجد على الخمرة والحصير» (راجع المدوّنة الكبرى 1 :

(1) السنن الكبرى 2 : 105.

(2) وفي فتح الباري 1 : 413 «قال مالك: لا أرى بأسا بالقيام عليها ـ أي: الطنافس والفراء والمسوح ـ إذا كان يضع جبهته ويديه على الأرض».

(29)
74/75).

وقال في عون المعبود 1 : 349 في شرح حديث أنس «كنّا نصلّي مع رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في شدّة الحرّ فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه»: وفي الحديث جواز استعمال الثياب، وكذا وغيرها من الحيلولة بين المصلّي وبين الأرض لاتّقاء حرّها، وكذا بردها. قال الخطّابي: وقد اختلف الناس في هذا؛ فذهب عامّة الفقهاء إلى جوازه: مالك والأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه، وقال الشافعي: لا يجزيه ذلك كما لا يجزيه السجود على كور العمامة. ويشبه أن يكون تأويل حديث أنس عنده أن يبسط ثوبا هو غير لابسه (انتهى) قلت: وحمله الشافعي على الثوب المنفصل، وأيّد البيهقي هذا الحمل بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: «فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه» قال: فلو جاز السجود على شيء متّصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه».

وفي إرشاد الساري 1 : 408 بعد نقله رواية أنس «كنا إذا صلينا مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود» قال: «واحتجّ بذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب في شدّة الحرّ والبرد، وبه قال عمر

(30)
ابن الخطاب وغيره، وأوّله الشافعية بالمنفصل أو المتّصل الّذي لا يتحرّك بحركته كما مرّ، فلو سجد على متحرّك بحركته عامدا عالما بتحريمه بطلت صلاته لأنّه كالجزء منه».

وفي المدوّنة الكبرى 1 : 73 و75 و76 و80 نقل عن مالك فتاوى في المسألة وفروعها لا بأس بنقلها بطولها.

قال مالك: لا يسجد على الثوب إلاّ من حرّ أو برد، كتّانا كان أو قطنا، قال ابن القاسم قال: بلغني أنّ عمر بن الخطاب وعبداللّه‏ بن عمر كانا يسجدان على الثوب من الحرّ والبرد ويضعان أيديهما عليه، قلت لابن القاسم: فهل يسجد على اللبد والبسط من الحرّ والبرد؟ قال: ما سألنا مالكا عن هذا، ولكنّ مالكا كره الثياب، وإن كانت من قطن أو كتان فهي عندي بمنزلة البسط واللبود، فقد وسع مالك أن يسجد على الثوب من حرّ أو برد. قلت: أفترى أن يكون اللبد بتلك المنزلة؟ قال: نعم، إلى أن قال: وقال مالك: لا بأس أن يقوم الرجل في الصلاة على أحلاس الدواب التي قد حلّست به اللبود الّتي تكون في السروج ويركع عليها ويسجد على الأرض ويقوم على الثياب والبسط وما أشبه ذلك، ويسجد على الخمرة والحصير وما أشبه ذلك، ويضع يديه على الّذي يضع عليه جبهته.

وقال: وأخبرني ابن وهب قال: أخبرني رجل عن ابن عبّاس

(31)
أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يتّقي بفضول ثيابه برد الأرض وحرّها، قال ابن وهب: إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رأى رجلاً يسجد إلى جانبه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن جبهته.

وقال وكيع: عن سفيان عن عمر ـ شيخ من الأنصار ـ قال: رأيت أنس بن مالك يصلّي على طنفسة متربّعا متطوّعا وبين يديه خمرة يسجد عليها.

وقال فيمن يسجد على كور العمامة، قال: أحبّ إليّ أن يرفعها عن بعض جبهته حتّى يمسّ بعض جبهته الأرض قلت: فإن سجد على كور العمامة؟ قال: أكرهه، فإن فعل فلا إعادة عليه. قال: وقال مالك: ولا يعجبني أن يحمل الرجل الحصباء أو التراب من موضع الظلّ إلى موضع الشمس فيسجد عليه. قال: وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها، ولا يسجد عليها ولا يضع كفّيه عليها، وكان لا يرى بأسا بالحصباء وما أشبهه مما تنبت الأرض أن يسجد عليها وأن يضع كفّيه عليها.

وقال مالك: أرى أن لا يضع الرجل كفّيه إلاّ على الذي يضع عليه جبهته.

قال: وإن كان حرّا أو بردا فلا بأس أن يبسط ثوبا يسجد عليه ويجعل كفّيه عليه.

(32)

قال الأحوذي في الشرح 1 : 273 بعد ذكر الحديث في الصلاة على الحصير: «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، إلاّ أنّ قوما من‏أهل‏العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابا. قال في النيل: وقد روي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وجابر بن عبداللّه‏ وعبداللّه‏ بن عمر وسعيد بن المسيّب ومكحول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير، وصرح ابن المسيّب بأنها سنّة».

كان عبدالرحمن بن يزيد يسجد على عمامته(1).

أفتى الامام مالك بن أنس باستحباب السجود على الأرض وما أنبتته(2).قال ابن القيّم في زاد المعاد 1 : 59: «كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة، ولم يثبت عنه السجود على كور العمامة من حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبدالرزاق في المصنّف من حديث أبي هريرة قال: كان رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يسجد على

(1) المصنف 1 : 399 و400.

هو إما عبدالرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي الذي يروي عن مكحول وغيره، أو عبدالرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الذي يروي عن مكحول أيضا (ذكرهما الذهبي في ميزان الاعتدال 2 و598) أو عبدالرحمن بن يزيد الذي يروي عن حذيفة (ذكره ابن سعد في الطبقات 3 و109 في ترجمة ابن مسعود).

(2) المدونة الكبرى 1 : 74.

(33)
كور العمامة وهو من رواية عبداللّه‏ بن محرز وهو متروك، وذكره أبو أحمد من حديث جابر ولكنّه من رواية عمرو بن شهر عن جابر الجعفي متروك عن متروك. وقد ذكر أبو داود في المراسيل: أنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رأى رجلاً يصلي في المسجد فسجد بجبينه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن جبهته، وكان رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يسجد على الأرض كثيرا، وعلى الماء والطين وعلى الخمرة المتّخذة من خواصّ النخل وعلى الحصير المتّخذ منه (انتهى)».

هذا ملخّص ما وصل إلينا من عقائد الصحابة وأقوال العلماء في المسألة، فمنهم من قال بوجوب السجود على التراب والرمل والحصباء إن أمكن وإلاّ فالأرض كلّها كما عن عطاء وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز.

ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض فقط مطلقا كأبي بكر ومسروق وعبادة وإبراهيم النخعي.

ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختيارا، وجواز السجود على الثياب للحرّ والبرد كابن عمر وعمر ومالك وأبي حنيفة وابن حجر والشوكاني وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأصحاب الرأي.

ومنهم من قال بوجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختيارا، وجواز السجود على الثياب المتّخذة من القطن والصوف

(34)
لحر أو برد مع استحباب السجود على الأرض كما عن الشافعي ومالك.

ومنهم من قال أو نسب إليه القول بجواز السجود على الأرض ونباتها والثياب بأنواعها كأبي هريرة وأنس ومكحول وعامة الفقهاء فيما بعد القرن الرابع.

وهنا قول قصد؛ وهو وجوب السجود على الأرض وما أنبتته اختيارا، وجواز السجود على غير الأرض ونباتها اضطرارا (دون مطلق الحرّ والبرد) وإن كان الاضطرار من غير جهة الحرّ والبرد.

فانتظر حتّى توافيك الأدلّة إن شاء اللّه‏ تعالى.

* * *

صفحه بعد

(35)

کلیه حقوق مادی و معنوی مربوط و متعلق به این سایت است.

[ بازگشت ]